عبد الملك الجويني
178
نهاية المطلب في دراية المذهب
والقتل يقع في قطع الطريق حداً على من قَتل ، وهو واجب على المصرّ على الردة . ثم وَضْعُ الحدود على التنكيل ، والمعاقبةُ على ما سبق ، والزجر عن احتقاب أمثال تيك الكبائر في المستقبل . فإن لم يكن قتلاً ، أفاد زجر المحدود وزجرَ غيره ، وإن كان قتلاً ، فهو عقوبة على المحدود وزجرٌ لغيره ، وقيل : المرتد وإن لحق بالحدود ، فليس في معناها ؛ فإنه دعاء بالسيف إلى الإسلام ، وهو بمثابة دعاء الكفار إلى الإسلام ، إلا أنهم قد تقبل منهم الجزية ، والمرتد مدعو إلى الإسلام ، فإن التزمه ، فذاك ، وإلا فالسيف واقع به . 11043 - ثم إن الشافعي أفرد لكل صنف من أصناف الحدود كتاباً ، وافتتح الكلام في حد الزنا ، وقد ورد في حد الزنا آيتان ، إحداهما : قوله تعالى : { وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ } [ النساء : 15 ] والأخرى قوله تعالى : { وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا } [ النساء : 16 ] فظاهر الآية الأولى يدل على اكتفاء النساء بالنساء ، وظاهر الآية الثانية يدل على اكتفاء الرجال بالرجال ، وقد قيل : الآيتان في الجنسين جميعاً ، ولكن المراد بمضمون الآية الأولى التعرض للثُّيَّبِ ، فجرى فيها تخصيص النساء بالذكر ، لأنهن أحرص على الزنا من الثيب من الرجال ، والآية الثانية في الأبكار ، والأبكار من الذكور أحرص على الزنا من الأبكار من النساء . وبالجملة الآيتان ليستا مشتملتين على بيان حكم الزنا أفي الجنسين جميعاً ، الأولى تضمنت الأمر بالحبس وانتظار حكم الله تعالى . والثانية اقتضت الإيذاء مطلقاً من غير تفصيل . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبادة بن الصامت : " خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلاً ، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة ورجمٌ بالحجارة " ( 1 ) وظاهر الحديث الجمع بين الجلد والرجم ، في حق الثيب ، وقد صار إلى ذلك أصحاب الظاهر ، واتفق العلماء المعتبرون من الصحابة رضي الله عنهم
--> ( 1 ) حديث عبادة بن الصامت أن النبي قال : " خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلاً . . . " رواه مسلم : الحدود ، باب حد الزنا ، ح 1690 . وانظر التلخيص : 4 / 96 ح 2020 .